مقال أساس الإصلاح صلاح التعليم الشيخ عبد الحميد بن محمد ابن باديس

أساس الإصلاح صلاح التعليم
الأحد 08 ذي الحجة 1437 هـ   الموافق لـ : 11 سبتمبر 2016 م

من «آثار الإمام عبد الحميد بن باديس» (٤/ ٧٨)

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس -حفظه الله-

 

قد ذكرنا في المقال السابق ما كان عليه التعليم الدينيُّ في عهد السلف الصالح، من التفقُّه في الدين بالتفقُّه في القرآن والأحاديث النبوية، وذكَرْنا الحالة التي انتهى إليها في عصرنا من هجر القرآن والسنَّة والاقتصار على الفروع العلمية المنتشرة دون استدلالٍ ولا تعليلٍ(١)، واستشهدنا على ذلك بحالتنا نحن أنفسنا لمَّا أخَذْنا شهادةَ العالمية من جامع الزيتونة عمره الله بدوام ذكره، ونريد أن نذكر اليوم أنَّ هذا الإعراض عن ربط الفروع بأصولها ومعرفةِ مآخذها هو داءٌ قديمٌ في هذا المغرب من أقصاه إلى أدناه(٢)، بل كان داءً عُضالاً فيما هو أرقى من المغارب الثلاث وهو الأندلس، ونحن ننقل فيما يلي كلامَ إمامين عظيمين من أئمَّة الأندلس المتَّبعين لمالكٍ -رحمه الله-.

قال الإمام عمر بن عبد البرِّ المتوفَّى سنة (٤٩٣)(٣) في «جامع بيان العلم وفضله»: «واعلم أنه لم تكن مناظرةٌ بين اثنين أو جماعةٍ من السلف إلاَّ لتفهُّم وجه الصواب، فيصارَ إليه ويُعرفَ أصل القول وعلَّتُه فيَجريَ عليه أمثلتُه ونظائره، وعلى هذا الناسُ في كلِّ بلدٍ إلاَّ عندنا -كما شاء الله ربُّنا- وعند من سلك سبيلَنا من أهل المغرب، فإنهم لا يقيمون علَّةً ولا يعرفون للقول وجهًا، وحَسْبُ أحدهم أن يقول: فيها روايةٌ لفلانٍ وروايةٌ لفلانٍ، ومن خالف عندهم الروايةَ التي لا يقف على معناها وأصلها وصحَّة وجهها فكأنَّه خالف نصَّ الكتاب وثابت السنَّة، ويجيزون حَمْلَ الروايات المتضادَّة في الحلال والحرام، وذلك خلاف أصل مالك، وكم وكم لهم من خلافٍ في أصول مذهبه ممَّا لو ذكرناه لطال الكتاب بذكره، ولتقصيرهم في(٤) علم أصول مذهبهم صار أحدهم إذا لقي مخالفا ممَّن يقول بقول أبي حنيفة(٥) أو الشافعي أو داود بن عليٍّ(٦) أو غيرهم من الفقهاء وخالفه في أصل قوله؛ بقي متحيِّرًا ولم يكن عنده أكثرُ من حكاية قول صاحبه فقال: «هكذا قال فلان وهكذا روينا»، ولجأ إلى أن يذكر فَضْلَ مالكٍ ومنزلتَه، فإن عارضه الآخر بذكر فضل إمامه -أيضًا- صار في المثل كما قال الأوَّل:

شَكَوْنَا إِلَيْهِمْ خَرَابَ العِرَاقْ *** فَعَابُوا عَلَيْنَا شُحُومَ البَقَرْ

فَكَانُوا كَمَا قِيلَ فِيمَا مَضَى *** أُرِيهَا السُّهَا وَتُرِينِي القَمَرْ

وفي مثل ذلك يقول منذر بن سعيدٍ البلّوطيّ -رحمه الله-(٧):

عَذِيرِيَ مِنْ قَوْمٍ  يَقُـولُونَ كُلَّمَـا  *** طَلَبْتُ دَلِيلاً: هَكَذَا قَالَ مَـالِكُ

فَإِنْ عُدْتُ قَالُوا: هَكَذَا قَالَ أَشْهَبٌ *** وَقَدْ كَانَ لاَ تَخْفَى عَلَـْيِه المَسَالِكُ

فَإِنْ زِدْتُ قَالُوا: قَالَ سَحْـنُونُ مِثْلَـهُ  *** وَمَنْ لَمْ يَقُلْ مَا قَالَهُ فَهْوَ آفِكُ

فَإِنْ قُلْتُ: «قَالَ اللهُ» ضَجُّوا وَأَكْثَرُوا *** وَقَالُوا جَمِيعًا: أَنْتَ قَرْنٌ مُمَاحِكُ

وَإِنْ قُلْتُ: قَدْ قَالَ الرَّسُولُ فَقَوْلُهُمْ: *** أَتَتْ مَالِكًا فِي تَرْكِ ذَاكَ المَسَالِكُ(٨)»(٩)

هذا إمامٌ من أئمَّة الإسلام العظام المُجمع على إمامتهم وعدالتهم، ومن أعظم المتَّبعين لمالكٍ الآخذين بمذهبه، وها هو يشكو مُرَّ الشكوى ممَّا كان أهل بلدة الأندلس في القرن الخامس(١٠)، وينعي عليهم ما انفردوا به هم وأهل المغرب من الجمود والتقليد وحملِهم للروايات المختلفة دون معرفة وجوهها ومخالفتِهم لأصل مذهب الإمام الذي ينتسبون إليه، وعدولهم عن النظر والاستدلال المأمور بهما كتابًا وسنَّةً، المعمول بهما عند جميع الأئمَّة إلى الاحتجاج بفضل القائل وعلمه، والإجماعُ على أنه قد يصيب المفضول ويخطئ الأفضل. ورحم الله عمر بن الخطَّاب في قوله: «امرأةٌ أصابت ورجلٌ أخطأ»(١١) واستشهد ابن عبد البرِّ بأبيات القاضي منذر بن سعيدٍ البلُّوطيِّ المولود سنة (٢٦٥) المتوفَّى سنة (٣٥٥) لتبيين قِدَم هذا الداء في الأندلس وشكوى العلماء الأعلام منه وإنكارهم على أهله.

وقال الإمام ابن العربيِّ الأندلسيُّ(١٢) المتوفَّى سنة (٥٤٣) في «العواصم»(١٣) وهو يتحدَّث عن فقهاء عصره: «ثمَّ حدثت حوادث لم يلقَوْها في منصوصات المالكية، فنظروا فيها بغير علمٍ فتاهوا، وجعل الخلف منهم يتبع في ذلك السلفَ حتى آل المئال أن لا يُنظر إلى قول مالكٍ وكبراء أصحابه، ويقال قد قال في هذه المسألة أهلُ قرطبة(١٤) وأهل طلمنكة(١٥) وأهل طلبيرة(١٦) وأهل طليطلة(١٧)، فانتقلوا من المدينة وفقهائها إلى طلبيرة وطريقها»(١٨).

فهذا الإمام العظيم قد عاب عليهم نظرَهم في الحوادث بغير علمٍ، لأنَّ ما عندهم من الفروع المقطوعة عن الأصول لا يسمَّى علمًا، ولمَّا لم تكن عندهم الأصول تاهوا في الفروع المنتشرة، ومحالٌ أن يضبط الفروعَ مَن لم يعرف أصولَها، وذكر ما أدَّاهم إليه إهمالُ النظر من الانقطاع عن أقوال مالكٍ نفسه وأمثاله إلى أمثالهم من الفروعيِّين التائهين الناظرين بغير علم.

فإذا كان الحال هكذا من تلك الأيَّام في تلك الديار وقد مضت عليه القرون في هذه البلاد وغيرها؛ فإنَّ قلعه عسيرٌ والرجوع بالتعليم إلى التفقُّه في الكتاب والسنَّة وربط الفروع بالمآخذ والأدلَّة أعسر وأعسر، غير أنَّ ذلك لا يمنعنا من السعي والعمل بصدق الرجاء وقوَّة الأمل، وسننفِّذه في دروسنا هذا العامَ(١٩) والله المستعان.

غرَّة شعبان ١٣٥٣ﻫ

٩ نوفمبر ١٩٣٤م



(١) وكان من أثر الاقتصار على الفروع العلمية المنتشرة دون استدلالٍ ولا تعليلٍ أن وقف الفقه عاجزًا عن مسايرة الزمن واللحوق بنهضة الأمم وتلبية حاجات الناس، إذ ترتَّب على مسائله التعقيدُ والبعد عن الوقوف على أحكامه، ممَّا أدَّى إلى العزوف عن دراسته لتخلُّفه عن مسايرة التطوُّرات المتلاحقة، فتوجَّه الناس إلى النظم الوضعية لسدِّ حاجاتهم، وأصبح الفقه الإسلاميُّ الذي ساد مئاتِ السنين بمعزلٍ عن حياة المسلم.

وترجع أهمُّ أسباب تأخُّر الفقه إلى:

- إصابة الأمَّة بالضعف لتسلُّط المستعمر الأجنبيِّ على الحكم، ولا يخفى أنَّ السقوط السياسيَّ يُفضي إلى السقوط العلميِّ ويستتبعه السقوط الدينيُّ، ومن نماذج ذلك أنَّ المستعمر الفرنسيَّ ألغى الشريعةَ عقب احتلاله الجزائرَ سنة (١٨٣٠م)، وأدخل القانونَ الفرنسيَّ في تونس سنة (١٩٠٦م)، وفي المغرب أدخل القانونَ الفرنسيَّ سنة (١٩١٣م)، وغير ذلك ممَّا وقع في بلاد العرب والمسلمين من المستعمرين المحتلِّين.

- انفكاك الصلة العلمية بين علماء الأقطار والأمصار، وهو ما أدَّى إلى ضعف العلوم الشرعية.

- سدُّ باب الاجتهاد وإحجام العلماء عن ولوجه، والركونُ إلى التقليد والجمود.

- انقطاع الصلة بين الناس وبين الأئمَّة بسبب طرق التأليف الفقهيِّ المعقَّد المتمثِّل في أنَّ معظم المؤلَّفات ما هي إلاَّ مختصراتٌ لمؤلَّفاتٍ أخرى قد تكون بدورها مختصرةً، فتنقلب محشوَّةً بالعديد من الفروع في عباداتٍ مقتضيةٍ وضيِّقةٍ تشبه الألغاز، ومع قيام العلماء بالتباري في طريقة المتون التي سادت معظمَ البلاد إلى درجة الإبهام، الأمر الذي يدفع إلى الحاجة إلى شرحها وتضييع الوقت والجهد في شروحٍ مطوَّلةٍ ثمَّ اختصار هذه الشروح في تراكيب فقهيةٍ عقيمةٍ.

(٢) ومن نصوص بعض علماء المغرب العربيِّ في بلورة مناهج التعليم المتمحورة على المذهب المالكيِّ في عهد بني عبد الواد الزيانيين وأثناء السيادة المرينية ونفوذها، قال المقرِّي الجدُّ: «ولقد استباح الناس النقلَ من المختصرات الغريبة أربابُها، ونسبوا ظواهرَ ما فيها إلى أمَّهاتها، وقد نبَّه عبد الحقِّ في «تعقيب التهذيب» على ما يمنع من ذلك لو كان من يسمع، وذيَّلتُ كتابه بمثل عدد مسائله أجمع، ثمَّ تركوا الروايةَ فكثر التصحيف، وانقطعت سلسلة الاتِّصال، فصارت الفتاوى تُنقل مِن كُتب مَن لا يدري ما يزيد فيها ممَّا نُقص منها لعدم تصحيحها وقلَّة الكشف عنها، ولقد كان أهل المائة السادسة وصدر السابعة لا يسوِّغون الفتوى من «تبصرة الشيخ أبي الحسن اللخمي» لكونه لم يصحَّح على مؤلِّفه ولم يؤخَذ عنه، وأكثر ما يُعتمد اليومَ ما كان من هذا النمط، ثمَّ انضاف إلى ذلك عدمُ الاعتبار بالناقلين، فصار يؤخَذ من كتب المسخوطين كما يؤخَذ من كتب المرضيِّين، بل لا تكاد تجد من يفرِّق بين الفريقين، ولم يكن هذا فيمن قبلنا، فلقد تركوا كُتُبَ البراذعيِّ على نبلها، ولم يُستعمل فيها على كرهٍ من كثيرٍ منهم غير «التهذيب» الذي هو «المدوَّنة» اليوم لشهرة مسائله وموافقته في أكثر ما خالف فيه «المدوَّنة» لأبي محمَّدٍ، ثمَّ كَلَّ أهل المائة عن حال مَن قبلهم مِن حفظ المختصرات وشقِّ الشروح والأصول الكبار، فاقتصروا على حفظ ما قلَّ لفظُه، ونَزُرَ حظُّه، وأفنَوْا أعمارَهم في فهم رموزه وحلِّ لغوزه، ولم يصلوا إلى ردِّ ما فيه إلى أصوله بالتصحيح، فضلاً عن معرفة الضعيف من ذلك والصحيح، بل هو حلُّ مقفَلٍ وفهمُ أمرٍ مجملٍ، ومطالعةُ تقييداتٍ زعموا أنها تستنهض النفوس، فبينا نحن نستكبر العدولَ عن كتب الأئمَّة إلى كتب الشيوخ؛ أتيحت لنا تقييداتٌ للجَهَلة بل مسوَّدات المسوخ، (فإنّا لله وإنّا إليه راجعون)» [«نفح الطيب» للمقري (٧/ ٢٧٢-٢٧٣)].

وقد عقد ابن خلدون فصلاً في «مقدِّمته» (٢/ ١٠٢٨) عنونه بقوله: «في أنَّ كثرة الاختصارات الموضوعة في العلوم مُخِلَّةٌ بالتعليم» وفي فصلٍ آخر (٢/ ١٠٢١) عنونه بقوله: «في أنَّ كثرة التآليف في العلوم عائقةٌ من التحصيل»، وقال في هذا الفصل ما نصُّه: «اعلم أنه ممَّا أضرَّ بالناس في تحصيل العلم والوقوع على غاياته كثرةُ التآليف واختلافُ الاصطلاحات في التعليم، وتعدُّد طرقها، ثمَّ مطالبة المتعلِّم والتلميذ باستحضار ذلك، وحينئذٍ يسلَّم له منصب التحصيل، فيحتاج المتعلِّم إلى حفظها كلِّها أو أكثرِها ومراعاةِ طرقها، ولا يفي عمرُه بما كُتب في صناعةٍ واحدةٍ إذا تجرَّد لها، فيقع القصور ولا بدَّ دون رتبة التحصيل، ويمثَّل ذلك مِن شأن الفقه في المذهب المالكيِّ بالكتب المدوَّنة مثلاً وما كُتب عليها من الشروحات الفقهية، مثل كتاب ابن يونس واللخميِّ وابن بشير، و«التنبيهات» و«المقدِّمات» و«البيان والتحصيل على العتبية»، وكذلك «كتاب ابن الحاجب» وما كُتب عليه، ثمَّ إنه يحتاج إلى تمييز الطريقة القيروانية من القرطبية والبغدادية والمصرية وطرق المتأخِّرين عنهم، والإحاطة بذلك كلِّه، وحينئذٍ يسلَّم له منصب الفتيا، وهي كلُّها متكرِّرةٌ والمعنى واحد، والمتعلِّم مطالَبٌ باستحضار جميعها وتمييز ما بينها، والعمر ينقضي في واحد فيها».

(٣) تصحيفٌ في اسم الإمام وفي تاريخ وفاته، والصواب هو أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمَّد بن عبد البرِّ المتوفَّى سنة (٤٦٣ﻫ / ١٠٧٠م) وتقدَّمت ترجمته.

(٤) وفي نصِّ كتاب «الجامع»: عن.

(٥) هو أبو حنيفة النعمانُ بن ثابت بن زرطي التيميُّ الكوفيُّ، الإمام الفقيه المجتهد صاحب المذهب، له فضائل ومناقب عديدةٌ، ضعَّفه أئمَّة الحديث من جهة حفظه، ولا يحطُّ ذلك مطلقًا من قدره وجلالته في العلم والفقه الذي اشتهر به، توفِّي ببغداد سنة (١٥٠ﻫ).

انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٨/ ٤٤٩)، «المعارف» لابن قتيبة (٤٩٥)، «الفهرست» للنديم (٢٥٥)، «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (١٣/ ٣٢٣)، «وفيات الأعيان» لابن خلِّكان (٥/ ٤٠٥)، «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٣٩٠) و«ميزان الاعتدال» (٤/ ٢٦٥) كلاهما للذهبي، «الجواهر المضيئة» للقرشي (١/ ٤٩)، وللمزيد من مصادر ترجمته انظر هامش «مفتاح الوصول» للتلمساني (٣٣٦).

(٦) هو أبو سليمان داود بن عليِّ بن خلفٍ البغداديُّ الظاهريُّ المعروف بالأصبهاني، الحافظ المجتهد، كان إمامًا ورعًا ناسكًا زاهدًا متقلِّلاً، انتهت إليه رئاسة العلم ببغداد في وقته، وكان معجبًا بالإمام الشافعيِّ حيث صنَّف في فضائله والثناء عليه كتابين، ثمَّ صار صاحبَ مذهبٍ مستقلٍّ وله تصانيف عديدةٌ منها: «كتاب الأصول» و«كتاب الإجماع» وكتاب «إبطال القياس» و«كتاب العموم والخصوص»، توفِّي سنة (٢٧٠ﻫ).

انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (٨/ ٣٦٩)، «طبقات الفقهاء» للشيرازي (٩٢)، «اللباب» لابن الأثير (٢/ ٢٩٨)، «الكامل في التاريخ» لابن الأثير (٧/ ٤١٢)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٣/ ٩٧)، «وفيات الأعيان» لابن خلِّكان (٢/ ٢٥٥)، «لسان الميزان» لابن حجر (٢/ ٤٢٢»، «البداية والنهاية» لابن كثير (١١/ ٤٧)، «مرآة الجنان» لليافعي (٢/ ١٨٤)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٢/ ١٥٨).

(٧) هو أبو الحكم منذر بن سعيدٍ البلوطيُّ (من فحص البلُّوط: موضعٌ قريبٌ من قرطبة بالأندلس)، كان متفنِّنًا في ضروب العلوم، وله رحلةٌ لقي فيها جماعةً من علماء اللغة والفقه، وله مؤلَّفاتٌ منها: «كتاب الأحكام»، و«الناسخ والمنسوخ»، ولي قضاءَ الجماعة بقرطبة إلى أن توفِّي سنة (٣٥٥ﻫ).

انظر ترجمته في: «اللباب» لابن الأثير (١/ ١٧٦)، «الروض المعطار» للحميري (٩٥)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١١/ ٢٨٨)، «المرقبة العليا» للنباهي (٦٦)، «إنباه الرواة» للقفطي (٢٩٥)، «طبقات النحويين واللغويين» للزبيدي (٢٩٥).

(٨) والبلُّوطيُّ تفقَّه بفقه أبي سليمان داود الأصبهانيِّ وهو يؤثر مذهبَه ويحتجُّ لمقالته، وكان جامعًا لكتبه، غير أنه كان يقضي بمذهب مالكٍ وأصحابه إذا جلس مجلسَ الحكم والقضاء [انظر: «طبقات النحويين» للزبيدي (٢٩٥)].

(٩) «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البرِّ (١٧١-٧٢).

(١٠) هذه المرحلة التي حدَّدها أهل العلم للفقه الإسلاميِّ إنما كانت في الدور الرابع من تطوُّره الذي يبتدئ من منتصف القرن الرابع الهجريِّ وينتهي بسقوط بغداد سنة (٧٥٦ﻫ)، وقد كان من أهمِّ نشاط العلماء في هذا الدور يتجلَّى في البحث عن علل الأحكام التي وردت عن الأئمَّة السابقين غيرَ معلَّلةٍ، والترجيح بين الآراء المختلفة في المذهب، ونصرة المذاهب إلى أبعد حدودٍ جملةً وتفصيلاً، ووصل فيها التعصُّبُ والمبالغة في التقليد والجمود على المذهب أن حمل بعضَهم إلى النيل من المخالفين.

(١١) هذا اللفظ ورد من طريقٍ فيها انقطاعٌ كما صرَّح به ابن كثيرٍ في «تفسيره» (١/ ٤٦٧)، وورد من طريقٍ آخر بلفظ: «كلُّ الناس أفقهُ من عمر». قال ابن كثيرٍ في «تفسيره» (١/ ٤٦٧): «إسناده جيِّدٌ قويٌّ». والحديث ضعَّفه الألبانيُّ في «حقوق النساء» لمحمَّد رشيد رضا، وقال: «سنده ضعيفٌ وفيه نكارةٌ» [انظر: «تفسير القرطبي» (٥/ ٩٩)].

(١٢) هو محمَّد بن عبد الله بن محمَّدٍ المعافريُّ الإشبيليُّ، الشهير بأبي بكر بن العربيِّ المالكي، كان من كبار علماء الأندلس، وَلِيَ قضاءَ إشبيلية، ثمَّ صُرف من القضاء وأقبل على نشر العلم، وله تصانيف شهيرةٌ منها: «العواصم من القواصم» و«أحكام القرآن» و«قانون التأويل» و«عارضة الأحوذي» و«المحصول في أصول الفقه»، توفِّي بالقرب من فاسٍ سنة: (٥٤٣ﻫ)، وحُمل إليها ودُفن بها.

انظر ترجمته في: «الصلة» لابن بشكوال (٢/ ٥٩٠)، «المرقبة العليا» للنباهي (١٠٥)، «وفيات الأعيان» لابن خلِّكان (٤/ ٢٩٦)، «الديباج المذهب» لابن فرحون (٢٨١)، «الوفيات» لابن قنفذ (٢٧٩)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٤/ ١٤١)، «الفكر السامي» للحجوي (٢/ ٢٢١).

(١٣) «العواصم من القواصم» لأبي بكر بن العربي -رحمه الله- كتابٌ مطبوعٌ ومتداوَلٌ، وكان للشيخ عبد الحميد ابن باديس السبقُ إلى نشره بقسنطينة في جزئين: الجزء الأوَّل في سنة: (١٣٤٧ﻫ - ١٩٢٧م)، والجزء الثاني في سنة: (١٣٤٨ﻫ - ١٩٢٧م)، وقد اعتمد شيخ النهضة الجزائرية على نسخةٍ مخطوطةٍ مزيدةٍ بجامع الزيتونة، وقد نشر الأديب محبُّ الدين الخطيب عليه جزءًا منه وهو مبحث الصحابة رضي الله عنهم ووُسم بعنوان: «العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم»، وقد حقَّقه وعلَّق على حواشيه ثمَّ طُبع الطبعة الثانية في سنة: (١٣٧٥ﻫ)، ثمَّ راجعه محمود مهدي إستنبولي لتحقيق أحاديثه وزيادة إثبات براءة الصحابة ممَّا نسبه إليهم الملاحدة والمفسدون، ثمَّ أخرج الكتابَ كاملاً د. عمَّار طالبي تحت عنوان: «آراء أبي بكر بن العربي الكلامية، ونقده للفلسفة اليونانية»، وكانت الطبعة الثانية منه في الجزائر سنة: (١٩٨١م).

(١٤) تقع شمال ولاية الأندلس في جنوب الأندلس على بعد ٤٠٠ كلم جنوب العاصمة مدريد، (من موقع: www.red٢٠٠٠.com/ spain).

انظر: «مراصد الاطِّلاع» للصفيِّ البغدادي (٣/ ١٠٧٨)، «الروض المعطار» للحميري (٤٥٦).

(١٥) تقع في جنوب ولاية «كاستيل إليون» في شمال غرب الأندلس على بعد ٢١٢ كلم شمال غرب العاصمة مدريد، (من موقع: www.red٢٠٠٠.com/ spain).

انظر: «مراصد الاطِّلاع» للصفيِّ البغدادي (٢/ ٨٩١)، «الروض المعطار» للحميري (٣٩٣).

(١٦) حيٌّ من أحياء مدينة طليطلة مشهورة بصناعة الفخَّار، (من موقع: www.red٢٠٠٠.com/ spain).

انظر: «مراصد الاطِّلاع» للصفيِّ البغدادي (٢/ ٨٩٠)، «الروض المعطار» للحميري (٣٩٥).

(١٧) تقع في غرب ولاية «كاستيل لمنشة» وسط الأندلس على بعد ٧١ كلم جنوب غرب العاصمة مدريد، (من موقع: www.red٢٠٠٠.com/ spain).

انظر: «مراصد الاطِّلاع» للصفيِّ البغدادي (٢/ ٨٩٢)، «الروض المعطار» للحميري (٣٩٣).

(١٨) «العواصم من القواصم» لابن العربي (٢/ ٤٩٢).

(١٩) هكذا بدأت النهضةُ الإصلاحية في الجزائر، والدعوةُ إلى العناية بالتعليم الدينيِّ، وتخليصِ الفقه ممَّا عَلِقَ به حتَّى يَسَعَه مِن متابعة نهوض الأمم والاستجابة لمطالب الحياة، وهذه الدعوة لا تخرج عن سائر الدعوات الإصلاحية في بعض الأقطار الإسلامية التي جاءت في فتراتٍ متلاحقةٍ في أوائل القرن الثالث الهجريِّ حيث تلتقي أهدافُها ومراميها على الإصلاح الدينيِّ والتربويِّ الذي تظهر أهمُّ محاوره في الرجوع بالفقه والتعليم إلى مصادره الأولى والاستفادةِ منه بأجمعه مِن غير تقيُّدٍ بمذهبٍ معيَّنٍ، وذلك بالعناية بدراسة الفقه المقارن والاهتمام بالدراسة الموضوعية بأسلوبٍ سهلٍ واضحٍ، وتركِ التراكيب الفقهية العقيمة والمعقَّدة أو التقليل منها، ومحاربةِ التقليد والتعصُّب والجمود، والدعوةِ إلى الاجتهاد الصحيح القائم على الإدراك العميق لأسرار الشريعة وأبعادها ومراميها، والفهمِ الدقيق لحِكَمها وتعليلاتها، والاستنادِ إلى الأدلَّة المعتمدة في استنباط الأحكام، وهي مِن أهمِّ وسائل التطوُّر في الفقه الإسلاميِّ الذي يمكِّن المجتهدين من مواجهة النوازل والقضايا الشائكة والأحداث المعقَّدة بالحلول الوافية في كلِّ الأحوال والظروف والأزمنة والأمكنة.

الجزائر في: ١ محرم ١٤٢٧ﻫ.

الموافق ﻟ: ٣١ يناير ٢٠٠٦م.